القرطبي
133
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه ، وأن مما أنعم الله به الايمان ، فدل على أن الايمان فعله وخلقه ، والدليل على ذلك قوله : " رب العالمين " . والعالمون جملة المخلوقات ، ومن جملتها الايمان ، لا كما قال القدرية : إنه خلق لهم ، على ما يأتي بيانه . الرابعة - الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل ، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد ، فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر : وأبلج محمود الثناء خصصته * بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي فالحمد نقيض الذم ، تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود ، والتحميد أبلغ من الحمد . والحمد أعم من الشكر ، والمحمد : الذي كثرت خصال المحمودة . قال الشاعر : * إلى الماجد القرم الجواد المحمد * وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الشاعر : ( 1 ) فشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد والمحمدة : خلاف المذمة . وأحمد الرجل : صار أمره إلى الحمد . وأحمدته : وجدته محمودا ، تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته ، أي صادفته محمودا موافقا ، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه . ورجل حمدة - مثل همزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها . وحمدة النار - بالتحريك - : صوت التهابها . الخامسة - ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء ، وليس بمرضى . وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب " الحقائق " له عن جعفر الصادق وابن عطاء . قال ابن عطاء : معناه الشكر لله ، إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه . واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك : الحمد لله شكرا . قال ابن عطية : وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه ، لان قولك شكرا ، إنما خصصت به الحمد ، لأنه على نعمة من النعم . وقال بعض العلماء : إن الشكر أعم من الحمد ، لأنه باللسان وبالجوارح
--> ( 1 ) هو حسان بن ثابت رضي الله عنه .